وهبة الزحيلي
181
التفسير المنير في العقيدة والشريعة والمنهج
أسلموا ، فإن أسلموا فقد اهتدوا إلى الصراط المستقيم ، وتركوا الضلال ، وإن أعرضوا عن الاعتراف بما سألتهم عنه ، فلن يضيرك شيء ، إذ ما عليك إلا البلاغ فقط ، واللّه خبير بعابده عليم بحالهم وبمن يستحق الهداية ممن يستحق الضلالة ، فيحاسبهم ويجازيهم . فقه الحياة أو الأحكام : موضوع الآية ( 18 ) : إثبات وحدانية اللّه بالأدلة التكوينية التي أبانها اللّه في الآفاق والأنفس وإنزال آيات التشريع ، وأخبر الملائكة والعلماء بذلك وبينوه ، قال القرطبي : دلت الآية على فضل العلم وشرف العلماء وفضلهم ، فإنه لو كان أحد أشرف من العلماء لقرنهم اللّه باسمه واسم ملائكته ، كما قرن اسم العلماء . ويؤكده أنه تعالى أمر نبيه صلّى اللّه عليه وسلّم أن يستزيد من العلم ، بقوله : وَقُلْ : رَبِّ زِدْنِي عِلْماً . وقال صلّى اللّه عليه وسلّم فيما جاء في السنن : « العلماء ورثة الأنبياء » و قال : « العلماء : أمناء اللّه على خلقه » « 1 » . وهذا شرف للعلماء عظيم ، ومحلّ لهم في الدّين خطير « 2 » . روى أنس عن النبي صلّى اللّه عليه وسلّم أنه قال : « من قرأ : شَهِدَ اللَّهُ أَنَّهُ لا إِلهَ إِلَّا هُوَ وَالْمَلائِكَةُ وَأُولُوا الْعِلْمِ قائِماً بِالْقِسْطِ ، لا إِلهَ إِلَّا هُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ ، عند منامه ، خلق اللّه له سبعين ألف ملك يستغفرون له إلى يوم القيامة » . وأعلنت الآية ( 19 ) أن الدين المرضي عند اللّه هو الإسلام فقط ، والإسلام هو الإيمان باللّه وإطاعة أوامره ، وهو شيء واحد متفق عليه بين جميع الأنبياء . وأما الخلاف في الدين أي الملة فحاصل من قبل الأتباع والأنصار ، حسدا وظلما . ويكون القصد من الآية نبذ الفرقة والخلاف في الدين ، والابتعاد عن التفرق فيه إلى شيع ومذاهب ؛ لأن اختلاف أهل الكتاب في نبوة محمد صلّى اللّه عليه وسلّم كان على علم منهم بالحقائق ، وأنه كان بغيا وطلبا للدنيا ، فقد أبانت كتبهم صفته ونبوته ،
--> ( 1 ) رواه القضاعي وابن عساكر عن أنس ، وهو حسن . ( 2 ) تفسير القرطبي : 4 / 41